اسماعيل بن محمد القونوي

455

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كما لا يخفى قوله ( على التقرير ) أي على التثبيت والتحقيق لا بمعنى حمل المخاطب على الإقرار يدل عليه قوله ( والتقريع ) أي التوبيخ والمعنى أنتم تقولون ذلك على التحقيق ولكن لا ينبغي أن يقع ذلك والظاهر من كلامه أنه جمع بين المعنيين المجازيين الأول التقرير والثاني الإنكار التوبيخي وهذا جائز عند المص ويحتمل أن يكون هذا بيان حاصل المعنى وذكر السبيل في الأول دون الثاني لمجرد التفنن وكون التقرير في الأول بمعنى حمل المخاطب على الإقرار وفي الثاني بمعنى التحقيق يعرف وجهه بالتأمل وبالتقرير السابق فلا تغفل . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 81 ] بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) قوله : ( إثبات لما نفوه ) لأن بلى تقع جوابا لنفي متقدم سواء دخله استفهام أو لا فيكون إيجابا له فمعنى بلى بعد ما قام زيد قد قام قوله ( من مساس النار لهم زمانا مديدا ودهرا طويلا ) بيان لما نفوه فإن معنى لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً لن تمسنا النار قوله : قبيحة المراد بها الكبيرة لأن إحاطة الصغيرة لا توجب الخلود اتفاقا . قوله : زمانا مديدا ودهرا طويلا قيد المساس النار ونفيهم ذلك راجع إلى هذا القيد ولما نفوا دوام مساس النار عليهم أثبت لهم ذلك على وجه برهاني حيث وقع ذلك الإثبات على لفظ العموم وهو لفظ من واشتمل على موجب وهو إحاطة الخطيئة من جميع الجوانب وذلك لا يكون إلا بانسلاب الإيمان عن القلب والعياذ باللّه فكأنه قيل على أنكم مخلدون في النار لأن من أحاطت به خطيئته بجميع أعضائه فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون فكان ذلك الحكم في حق الكافر كما في قول السلف لأن مؤداه مؤدى بلى من كفر فهذا كقوله عز وجل في حق الكافر : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] فإنه قيل في تفسيره غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيها حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمي عليهم معرفة الحق والباطل فإن كثرة الأفعال سبب لحصول النكتات كما قال عليه الصلاة والسّلام إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه والرين الصدأ ومما يعضد قول السلف في أن المراد بالكبيرة الكفران الآية الكريمة وردت لرد زعم اليهود بأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة وإثبات الوعيد بالخلود في النار فجيء بها عاما ليدخلوا فيها دخولا أوليا ثم أردفت بما في مقابلة معناها وهي وصف المؤمنين وختمت بذكر الخلود وذلك قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 82 ] وهو عطف على قوله مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وغير معنى الشرطية فيها إلى الثبوت الصرف لترجيح جانب الرحمة قال السجاوندي فقوله من دخل داري فأكرمه الدخول يقتضي إكرام كل من دخل لكن على خطران لا يكرم وفي الذي دخل مع الفاء يكرم حقيقة فلذلك مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ البقرة : 274 ] قال صاحب الكشاف من كسب سيئة من السيئات يعني كبيرة من الكبائر وأحاطت به خطيئته تلك واستولت عليه كما يحيط العدو ولم ينقصر عنها بالتوبة قال بعض الأفاضل فسرها بالكبيرة لا من حيث المفهوم لأن السيئة هي العمل القبيح أي الحرام